شرف خان البدليسي
102
شرفنامه
والناصرة ، وعسقلان . وبعد ردح من الزمن أعد جيشا زحف به على القدس ، ونزل في جانبها الغربي . ثم عدل عن ذلك بعد عدة أيام ، وانتقل إلى الجانب الشرقي فحاصرها ، وبدأ القتال ، وكانت مدينة القدس حينذاك يقطنها ستون ألف مسيحي ، فشمروا أيضا عن ساعد الجد والاجتهاد في الدفاع عنها ضد المسلمين غير أن الأحوال ، قد تطورت تطورا كبيرا ، فما حل يوم الجمعة الموافق للسابع والعشرين من رجب سنة ( 583 ه - 1187 م ) ، حتى ضيق صلاح الدين الخناق على المحصورين تضييقا شديدا بضرب القلعة والمدينة بالمنجنيقات ، فنادوا بالأمان والصلح ، فأمنهم صلاح الدين على ألا يقتلوا ولا يؤسروا ، ودخل المسلمون المدينة وكسروا الصليب الذي كان النصارى قد رفعوه على قبة الصخرة في المسجد الأقصى ، ثم بادروا إلى أداء فريضة الجمعة في نفس اليوم في المسجد ، فارتفعت أصوات التكبير والتهليل من الفقير والكبير إلى عنان السماء . وهكذا ردت البضاعة إلى أهلها ، وقد كانت تحت حكم الإفرنج ابتداء من سنة ( 492 ه - 1098 م ) « 1 » حتى هذه السنة ، وأمضيت شروط الصلح بين صلاح الدين والإفرنج الملعونين في ذلك اليوم المشهود على المنوال الآتي : يدفع كل رجل من الكفار عشرين دينارا ، وكل امرأة خمسة دنانير إلى المسلمين ، وعن كل طفل من الأطفال دينار واحد ، وكل من لا يستطيع أن يدفع ما هو مفروض عليه من الفدية يكون أسيرا في أيدي المسلمين ؛ ولقد وزع صلاح الدين هذه الأموال التي أخذها من النصارى على الجنود والعلماء والزهاد . ثم توجه نحو قلعة صور ، ولما كانت أسوار هذه القلعة غاية في المناعة ، وان الجنود قد أخذوا يضجون بالشكوى من شدة البرد وهطول الأمطار ، وافق صلاح الدين بناء على رأي أهل المشورة على العدول عن مواصلة الحصار ، واتجه مسرعا نحو بلدة طرسوس حيث استولى عليها عنوة ، وغنم منها أموالا كثيرة وأسر من النصارى أسرى عديدين . ثم احرق المدينة وواصل السير وأخذ يستولي على البلاد بلدة فبلدة ، حتى وصل إلى ظاهر قلعة البرزية التي كانت الأمثال تضرب بحصانتها ومتانتها ؛ إذ كان ارتفاعها مع أسوارها أكثر من سبعين وخمسمائة ذراع ، فاستولى عليها بالسيوف والسهام . وبعد ذلك بادر صلاح الدين إلى ناحية أنطاكية وعقد معهم الصلح حيث مالوا إليه ، وأطلقوا سراح جميع أسرى المسلمين بها .
--> ( 1 ) - في الأصل - 472 .